محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
210
الإنجاد في أبواب الجهاد
إليها ، أين كانت الفئة ببلاد العدو ، أو ببلاد الإسلام ، بَعُدَ ذلك أو قَرُبَ ، إنما يأثم بالتولية مَنْ لم يَنْوِ واحداً من المَعنيَيْن . وقال بعض الشافعية ( 1 ) : التحرف للقتال : أن ينتقل من مكانٍ إلى مكان أمكن للقتال ، والتحيز إلى فئة : أن يَنضم إلى قومٍ ليعود معهم إلى القتال . وروي عن مالكٍ ( 2 ) أنه كان يقول : ليس العمل عندنا على قول عمر : « أنا فئة من تحيَّز إلي » ، وهو بالمدينة ، وإنما ذلك إلى ولاة الجيش ، دون والي الصائفة ، فَتَتَحيَّزُ السَّريةُ أو الخيل إلى الجيش ، دون من هو أبعد منه ، ومُتحيَّز الصوائف والجيوش إلى من بعدها ، وهو أقرب إليها من أهل الإسلام . وقيل : التحيزُ المأذون فيه : إنما هو الانحيازُ إلى الجماعة الحاضرين قِبَالَ العدو ، دون من وراءهم مِمَّن لم يحضر . وقال أبو محمد بن حزم ( 3 ) : « لا يحلُّ للمسلم الفرار أمام المشركين ، وإن كثروا ، إلا أن ينوي التَّحيُّزَ إلى جماعةٍ من المسلمين ، إنْ رجا إدراك تلك الجماعة ، قبل أن يلحقه الكفار ، أو ينوي بانحرافه الكرَّ لقتالهم ، وإلاَّ فهو عاصٍ لله - عز وجل - » . واختلفوا فيمن نكَصَ على عقبيه من غير أنْ يُولِّي العدوَّ ظهره ، فقيل : إنه لا
--> ( 1 ) انظر : « الأم » ( 4 / 179 ) ، « الحاوي الكبير » ( 18 / 209 ) ، « نظم الدرر » ( 8 / 240 ) ، « محاسن التأويل » ( 8 / 296 ) ، « النكت والعيون » ( 2 / 89 ) . ( 2 ) انظر : « النوادر والزيادات » لابن أبي زيد القيرواني ( 3 / 51 ) ، و « الذخيرة » للقرافي ( 3 / 410 ) . واختار أبو الوليد بن رشد في « البيان والتحصيل » ( 17 / 31 ) أن التحيز إلى الفئة - في حديث ابن عمر المذكور آنفاً - هو خاص برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بالمدينة ، فقال : « وهذا عندي من خواص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لا يكون الإمام فئةً للسرية إذا خرجت من عنده ، فأقام هو - يعني : الإمام - في بلده ، وإنما يكون فئة لها إذا أخرجها من عسكره ، فلقيت جماعة ، وإن كانت أقَلَّ من مِثْلَيْها فانحازت إلى الفئة التي خرجت منها . والله الموفق » . ( 3 ) في « المحلى » ( 7 / 292 المسألة رقم 923 ) .